الاقصى

:: بائعة الكبريت ::

آذار 25th, 2009 كتبها إيمان نشر في , قصة قصيرة

في يومٍ ماطرٍ عاصف ، اكتسى المدينة ظلامٌ دامس ، الرياح تزمجر بشدة ، و أصواتُ صفيحٍ يتكسر ،  أوراقٌ تتطاير ، و شوارع خالية إلا من قليلٍ من المارة ، ضوءٌ خافت يظهر فجأة يبدو أنها سيارة تحاول التراجع و تخشى التقدم ، غريب فما أمرها ، كأنها أخيراً بدأت تتقدم نحو بابٍ حديدي نُقش عليه اسم السيد " أمجد " صاحب المنزل ، توقفت أمام الباب و خرج منها رجلاً بشعرٍ أبيض و أسود و ملامح شرقية بنكهةٍ جذابة .

يعبر الشارع من الضفةِ المقابلة فتاةٌ يلف جسدها النحيف ملابسَ رثة لا تصلح لشتاءٍ قارص ، و لها عينان غائرتان ظهرت عليهما آثار التعب و الإرهاق الشديدين ، تمسك في كفها الصغير علب كبريتٍ بللها المطر ، و بالكفة الأخرى احتضنت جوريةً حمراءَ تمسكها بقوة كأنها مهداة من عزيز ، تقدمت نحو الرجل الوسيم ، نظرت إليه و ابتسمت  بادلها بواحدة ، بدأت عيناها تمتلئان بالدموع و كأنها تريدُ أحداً يحتويها و يزيح عنها هماً يكبرها سنيناً ، اقترب منها الرجل قال لها " لا تخافي " فأعادت الابتسام و بصوتٍ مخنوقٍ يتنهد

- " علب الكبريت بللها المطر " لم تكمل و أجهشت بالبكاء ،

- لا تقلقي سأشتريها منك كلها

رفعت رأسها بسرعة و مسحت دموعها

- بحق يا سيدي!!

- نعم يا ابنتي ، سأشتريها كاملة ، فكم سعرها ؟

- تفضل سيدي

أخذَ العلب المبللة و همَّ بدخول المنزل ، اتجهت نحوه مسرعة

- سيدي سيدي انتظر

التفت للوراء فوجد يد ناعمة تمنحه جورية حمراء

ابتسم لها و ودعها آملاً لها ليلة سعيدة .

عادت تعبر الشارع المعتم بقدمين متثاقلتين أعياهما التعب ، و سعادة لا يحدها شئ فقد باعت علب الكبريت كلها رغم البلل ، كانت تمضي مبتعدة و السيد أمجد مازال واقفاً يتابعها و لم يبرح المكان حتى توارت عن ناظريه .

ليلة لم يستطع النوم فيها و هو يفكر بأمر تلك الفتاة ،  يا ترى أين ستقضي ليلتها ؟ ألها بيت يأويها أم غطاؤها السماء و فرشها الأرض ؟ لام نفسه كثيراً لِمَ لَم يدعوها الليلة للمبيت عندهم فالجو جد بارد ، شعر بالذنب تجاه براءتها و ما إن نظر للجوريةِ الحمراء بدأ بالبكاء كطفلٍ مُنع عن صدر أمه ، نظراتها البريئة لم تبرح مخيلته و صدى صوتها يتردد بذاكرته " علب الكبريت بللها المطر ، علب الكبريت بللها المطر ، علب الكبريت بللها الم … " ضوء برق عمَ المكان صوت

المزيد


:: يا قدسي ::

حزيران 20th, 2008 كتبها إيمان نشر في , قصة قصيرة, و لِفلسْطين...كَلِمَــة

اشتممت اليوم رائحة ترب غير الذي اعتدت ، نظرتُ للشمسِ و إذا هي قطعة ذهبية ليست كما أرى دوماً ، أما الهواء بفلٍ و ياسمين معبق ، استنشاقهُ يهبك روحاً ليس مثلها شئ ، قلت و نفسي ” إنني لا أقف على أي أرض ، لابدَّ أني بحضنٍ هويتهُ كثيراً و حُرمت منه ” فركت عيني بشدة ، تلفت باحثةً عن وجوهٍ أعرفها لأجد بطريق التفاتي كلماتٍ اهتز لها قلبي وازداد نبضه ” مرحباً بكم في مدينة القدس “ يالله ما إن لمحتها حتى بكيت و بشدة هل حقاً لامستُ ترب القدس أخيراً ؟ سجدت شكراً لربي ، أطلت السجود و عانقت الأرض بكل كياني ، رويتها أدمعاً ذَرفتُها كثيراً لأجلها ، نهضت من سجودي كمتلهفٍ لماءٍ في الصحراء و بدأتُ جولتي حملتُ معي كل عذاباتي و أنا بعيدةً عنها و أقسمتُ لن أغادرها و لن أترك شبراً دون أن يشهدَ خطاي ، المسجد الأقصى المكان الأول ركضت نحوه قلبي لهفتي و دموعي سبقوني إليه ، رأيته من بعيدٍ وكأن قلبي اجتُثَ من مكانه ، توقفتُ فجأة شعرتُ بهيبتهِ ورهبته ، ركضتُ ثانية احتضنته بروحي بكيتُ و بكيت اعتذرتُ له تقصيرنا ، لامستُ جدرانه أحسست تشققها من الأنين ، تسمرت قدماي كأنهما شُلت و لم أقوى على الحراك ، فهل يقبل الأقصى اعتذاري ؟ هل يسامحني ؟ تجرأت أخيراً و عبرته بحركةٍ لاشعورية وجدتني سجدت و بكائي كقدرٍ يغلي في صدري ، لم أفق من سجودي إلا على صوت المؤذن يعلنها ” الله أكبر الله أكبر ” وقفت انتظر الصلاة التي طالما تمنيتها ، صلينا و أطلنا الدعاء ، خرجتُ للساحة جلست بظلالها أتأمل ما أُخذ منا عنوة ،

المزيد


:: عذبوني به ::

نيسان 19th, 2008 كتبها إيمان نشر في , قصة قصيرة

هي السنة العشرين لغيابه ، تمضي ثقيلة و كأنها دهرٌ لا يتحرك ، غاب عن المنزل و غابت كل ملامح الفرح ، حتى الطعام يصعب بلعه ، تستيقظ " غادة " يومياً ناظرةً للزوايا محدثةً الأركان

- " كم مر بك يوسف ، آآآآه ماضٍ ما أصعب أن يعود "

 تقطع شرودها و زفراتها بصوت ابنها منادياً عليها ،

- والدتي هل الفطور جاهز فقد اقترب موعد العمل

بصوتٍ يكتسيه الإرهاق و السنوات عبثت بطبيعته

- نعم يا بني جاهز جاهز فقط كنا ننتظرك تستيقظ

يأتي من بعيد ذاك الشاب  ابن الأربعة وعشرين ربيعاً ، يقبل جبين والدته بحنانٍ و رقة و يقبل يديها ، يتناولا الفطور و يتبادلا أطراف الحديث ، ولا تنسى الأم الوصايا العشر التي اعتاد عمران سماعها كل صباح ناظراً مبتسماً بوجهها

- حاضر يا أغلى من حياتي سأنفذ كل ما تريدين ولن أصاحب إلا الأخيار

و طبعاً قصي الأصغر بأربع سنوات نصيبه من الوصايا أكبر

عمران : هيا يا قصي أسرع لأوصلك معي …

سوياً يودعا أمهما و يخرجا حيث العمل و الجامعة و تبقى الوالدة بصباحها وحيدة ككل يوم ، و تجلس منهكة على أريكة يوسف المفضلة و تبدأ تقليب شريط الذكريات ، ترحل إلى ما قبل عشرين سنة ، لتعود لآخر لحظة جمعتهما و تتذكر معها اللحظة المشئومة و التي بها فقدت زوجها ، تتذكر تلك اللحظة و كأنها تراها اليوم أمامها ، تتذكر كيف هجمت قوات الاحتلال على المنزل ، وأخذت كالمجنون تفتش بكل مكان ،

راكلاً أحد الجنود عمران بقدميه حيث كان يبكي خوفا ، و هي بذات الإرهاق فقصي يربض برحمها آمناً و تتأوه هي ، و الجيش المجنون مازال يفتش فقد اختبأ المرة يوسف بمكان ظنوه آمناً ، وكانت شبه مطمئنة أنهم لن يجدوه ، و فجأة خرج أحد الكلاب المسعورة جاراً يوسف من قميصه ناظراً لغادة صارخاً بوجهها

- تخبئيه آه تخبئيه و تقولي أنه ليس هنا ، تلك وحدها سيحاكم عليها

و بتمتمات غير مفهومة يمشي جاراً يوسف بعد أن عصب عينيه و قيد يديه

- امشي امشي يا كل …

لم يكملها حتى وجد كوعاً وقد زرع في بطنه ، سامعاً صوت يوسف يحدثه

- هكذا فقط يمشي الكلب و سأمشي معك

قالها و ترك ابتسامة باردة كادت تقتل الجنود أجمع .

و نظرت إليه غادة النظرة الأخيرة قبل أن يغادر المنزل وقالت له

- الآن فقط اطمئن عليك حبيبي و أريدك دوما رجلاً بطلاً ، اذهب معهم والله يرعاك

دقائق حتى غاب عن ناظرها ، وتركت دموعها تنهمر كما تريد ، محتضنةً صغيرها ، و ناظرة لجنينها محدثةً إياهم

- والدكما بطل و سيظل وأريدكما مثله ، سأرعاكما بعيوني ، وأسقيكما حليبا اختلط بماء فلسطين فهي عشقنا الوحيد ، أسمعتما عشقنا الوحيد …

و تمر الأيام على الغياب ، و تنتقل من محكمة لأخرى ، تبحث عن محامٍ يتولى القضية ، و تتوالى عليها الشهور ، ومازال الحكم على يوسف مجهولا ، تتأجل المحكمة مرة ، ومرة يستأنف الحكم بجلسة أخرى ، و هذا هو يوسف مازال بعداد الأسرى الإداريين الذين يحرم أهاليهم من زيارتهم في فترة ما قبل الحكم ، يزداد عذابها فمتى يحكم عليه لتستطيع زيارته ، تكلم المحامي وكالعادة يطمئنها ، لكن النار تزداد لهيباً بقلبها ، يمر اليوم تلو اليوم ، يقترب موعد المحاكمة ، تسهر ليلتها داعيةً ربها النظر لحال زوجها ، ليلة يصعب فيها النوم ، ولا تنام و الجنين في بطنها يؤلمها و بصوتٍ مخنوق تحدثه

- يا ماما حبيبي لا تتعبني فنهارٌ شاق بانتظاري غدا

و أخيراً أذن

المزيد


:: حلاوة العذاب ::

آذار 19th, 2008 كتبها إيمان نشر في , قصة قصيرة

هو الآن الأستاذ " رامي " ، كان سابقاً الفتى و قبلها الطفل و إلي ما أبعد كان ذاك الجنين الرابض في رحم أمه بأمانٍ تام ، تسعةَ أشهر هي الفاصلة ليكون رامي ضيفاً جديداً على تلك الأسرة التي قضت حياتها في الشتات ، و أمضت سنوات عمرها في " المخيم" ، و ذاقت من العذابات ألوان ، فتارةً " لاجئ " وباء يحظر التعامل معه ، وتارةً يُحرم من أبسط الحقوق الإنسانية ، كل ذلك لم يكن عائقا بوجه العوائل اللاجئة في الشتات لمواصلة الحياة والتفوق في العديد من المجالات .

- آآآآآآآآه يبدو أنه حان الوقت يا أبو محمد

- حاضر حاضر هيا بسرعة …

بسرعة البرق عاد أبو محمد مصطحباً السيارة التي ستقلهم للمشفى والذي لا يقل سوءا عن حال المخيم ، طرق متعرجة ، شوارع ترابية ، تقطعها السيارة مسرعة ولا عمل لها سوى زيادة ألم المخاض .

- خمس دقائق و نصل …

ما إن سمعتها المسكينة حتى أعادت و بصعوبة أنفاسها لتخنقها بصدرها

- أرجوكم لم أعد أحتمل …

صرخة طفل تصدح من بعيد انتفض لها قلب أبو محمد ليجد الدكتور ماثلاً أمامه محدثاً إياه

- حمدا لله على السلامة فالسيدة بخير و الطفل – ذكر- وحاله جيد و الحمد لله …

- يا الله ، الحمد لله على عطاياه …

من هنا تنبثق حكايتنا … فالفارس لمحت عيناه النور و بدأت صرخاته تدوي في المكان

رعاية حظي بها " رامي" من والديه ، فرحين بكل مشاكساته اللطيفة ، خطى خطواته الأولى و بدأ يسابق الزمان ، التحق بمدارس المخيم المهترئة من فعل الزمان ، بالروحة و الغداة لم تسلم شوارع المخيم من عفرتته ، كان يهوى العبث بما يلقى في طريقه ، مشاكساً جميلاً ، فالجميع يحبه.

لم تمنعه سنه الصغيرة من سؤاله عن وضعهم ، فأنا فلسطيني لكني أقطن بعيدا عن بلدي؟! و المكان الذي نسكنه سئ للغاية؟! هل كل العالم مثلنا يخرج من بلده و يختار مكان " خربان " يعيش فيه؟ و أسئلة أخرى كثيرة كانت تتضح إجاباتها بتقادم عمره، ففهم أكثر أنه " لاجئ " وعرف السبب في كونه و آلاف الأسر بتلك الحال ، تر

المزيد


:: عذراً لكني لا أسمع ::

كانون الثاني 16th, 2008 كتبها إيمان نشر في , قصة قصيرة

:: عذراً لكني لا أسمع ::

دخل و قد اكتسى شعره  الغبار الهائج من كل مكان ، ملامح وجهه المنهكة كادت تنطق بما لاقى من يومٍ شاق ، عيناه الحائرتان تحدثتا قبل فمه ، أتى إليّ كما يأتي دوماً ، موعد لقائنا ساعاتٌ معروفة لي و له و لمن يحب سماعنا أيضاً ، لم أحتكر حديثه على نفسي و سمحت لمن يريد استراق السمع إلى حكاياته ، عند دخوله المرة أحسست بشئ غريب يسري في جسدي ، لم أفسر كثيراً ما يحدث معي ، و لم أعط لنفسي وقتاً كثيراً للتفكير ، فنظراته كانت أقوى من نفضات جسدي ، حدقّ بي و فعلت أيضاً ، طال بنا الوقت على تلك الحال ، مع علمي ببعض أخباره لكني كالمتجاهل لما يحدث معه أتعامل ، و كأني لا أدري عنه شيئاً ، أسأله عما يجري كأني التقيه للمرة الأولى ، و المسكين لا يمل الحديث أيضاً بنفس العبارات التي يلقيها لمسمعي في كل مرةٍ أسأله ، و أحياناً يبدأ هو بالحديث قبل أن أسأل ، تارةً أستجيب لكلماته و أكتفي بتقطيب حاجباي ، و حيناً أتمتم بكلماتٍ غريبة لا يفهمها سواي ، و أحياناً أخرى اكتفي بإمالة رأسي للأسفل إشارةً مني أن كلامه قد سُمع ولا تعليق لدي ، و بينما تظل إيماءاتي مستمرة ، يظل هو مواصلاً حديثه ولا ينقطع ، كنت أحياناً أغفو على حديثه ولا أستيقظ إلا على صوتٍ غاضبٍ منه أو هزةٍ عنيفة من يديه ، لأفيق ثانية و يتابع هو سرد الحكايا ، هكذ

المزيد